علاج المياه البيضاء عند مرضى السكري واعتلال الشبكية: متى وكيف تجرى بأمان؟
المياه البيضاء ومرضى السكري: تحديات خاصة تتطلب تخطيطًا دقيقًا
يُعد مرض السكري من الأمراض المزمنة التي تؤثر على أجزاء متعددة من الجسم، وتُعتبر العين من أكثر الأعضاء تأثرًا به. فبالإضافة إلى اعتلال الشبكية السكري الذي يهدد البصر، غالبًا ما يعاني مرضى السكري من تطور المياه البيضاء (إعتام عدسة العين) في سن مبكرة مقارنة بغير المصابين. وهنا يبرز التساؤل الهام: متى وكيف يمكن إجراء عملية المياه البيضاء بأمان لمرضى السكري، خاصةً إذا كان لديهم اعتلال شبكية سكري نشط؟
يوضح د. محمود حسان، جراح الشبكية والجسم الزجاجي وأحد المساهمين الأساسيين في مركز المشرق للعيون بالقاهرة، أن التعامل مع حالة تجمع بين المياه البيضاء واعتلال الشبكية السكري يتطلب تقييمًا دقيقًا وشاملًا للحالة الصحية للعين ككل، وليس فقط للعدسة المعتمة. فالهدف الأسمى هو استعادة الإبصار بأعلى درجة ممكنة مع الحفاظ على سلامة الشبكية ومنع تفاقم مضاعفات اعتلال الشبكية السكري، لا سيما تلك المتعلقة بارتشاح مركز الإبصار.
تقييم ما قبل الجراحة: حجر الزاوية لنجاح العملية
قبل الإقدام على أي إجراء جراحي، يُعد الفحص الشامل للعين هو الخطوة الأولى والأكثر أهمية. بالنسبة لمرضى السكري، يمتد هذا الفحص ليشمل:
- تقييم درجة اعتلال الشبكية السكري: يجب تحديد ما إذا كان الاعتلال في مراحله الأولى (غير تكاثري) أم متقدم (تكاثري)، وما إذا كان هناك ارتشاح في مركز الإبصار (الوذمة البقعية السكرية). هذا التقييم يحدد مدى خطورة الحالة ويؤثر على توقيت الجراحة وبروتوكول العلاج.
- فحص قاع العين الشامل: باستخدام تقنيات متقدمة مثل التصوير واسع المجال (UWF)، يمكن للطبيب الحصول على رؤية واضحة وشاملة للشبكية وتقييم وجود أي نزيف أو وذمة أو تغيرات أخرى مرتبطة بالسكري.
- قياس ضغط العين: غالبًا ما يكون مرضى السكري أكثر عرضة للإصابة بالجلوكوما (الزرق)، لذا فإن قياس ضغط العين وفحص الزاوية ضروريان.
- تقييم صحة القرنية والعدسة الداخلية: التأكد من سلامة القرنية ووجود عدسة سليمة خلفها يساعد في التخطيط لنوع العدسة المزروعة بعد إزالة المياه البيضاء.
- تقييم الحالة العامة للمريض: التحكم في مستوى السكر في الدم وضغط الدم، ووظائف الكلى، وأي أمراض أخرى مصاحبة، يلعب دورًا حاسمًا في تحديد مدى أمان الجراحة.
متى يكون توقيت إجراء عملية المياه البيضاء مناسبًا؟
إن تحديد التوقيت المثالي لـ عملية المياه البيضاء لمرضى السكري يعتمد بشكل أساسي على حالة الشبكية:
- إذا كانت الشبكية سليمة أو بها اعتلال بسيط غير نشط: يمكن إجراء عملية المياه البيضاء في أي وقت تشاء فيه تحسين الرؤية، مع ضرورة المتابعة الدورية للشبكية.
- إذا كان هناك اعتلال شبكية سكري نشط مع ارتشاح في مركز الإبصار (DME): هنا تكمن الحساسية الأكبر. يفضل العديد من الجراحين، ومنهم د. محمود حسان، علاج ارتشاح مركز الإبصار أولاً قبل إجراء جراحة المياه البيضاء. قد يشمل العلاج حقن العين بأدوية مضادة لعوامل نمو الأوعية الدموية (Anti-VEGF) مثل إيليا (Eylea) أو فابيسمو (Vabysmo)، أو استخدام غرسات الكورتيزون ممتدة المفعول مثل أوزورديكس (Ozurdex). الهدف هو تقليل الارتشاح وتثبيت الشبكية قدر الإمكان قبل تعريضها لأي ضغط جراحي.
- إذا كان هناك اعتلال شبكية تكاثري مع نزيف في الجسم الزجاجي: في هذه الحالات، قد يكون من الضروري علاج اعتلال الشبكية أولاً، ربما عن طريق عملية استئصال الجسم الزجاجي، قبل التفكير في إزالة المياه البيضاء.
تجدر الإشارة إلى أن إهمال علاج المياه البيضاء قد يؤدي إلى تفاقمها لتصبح مياه بيضاء متحجرة، مما يزيد من صعوبة الجراحة واحتمالية حدوث مضاعفات، وقد يؤدي إلى حدوث جلوكوما ثانوية (المياه الزرقاء المغلقة). لذا، فإن الموازنة بين مخاطر الجراحة وفوائدها، مع الأخذ في الاعتبار حالة الشبكية، هي مفتاح القرار.
كيف تجرى عملية المياه البيضاء بأمان لمرضى السكري؟
عندما يتم تحديد أن الوقت مناسب لإجراء الجراحة، يتم اتباع بروتوكولات خاصة لضمان أقصى درجات الأمان:
- التقنية الجراحية: تُفضل تقنية الفاكو إيمالسيفيكيشن (Phacoemulsification) باستخدام أحدث أجهزة الموجات فوق الصوتية، وهي تقنية حديثة وفعالة لإزالة المياه البيضاء بأقل تدخل جراحي ممكن. في بعض الحالات المعقدة، قد يتم اللجوء إلى تقنيات أخرى أو استخدام أدوات مساعدة.
- التخدير: غالبًا ما يتم استخدام التخدير الموضعي بقطرات العين، مما يقلل من المخاطر المرتبطة بالتخدير العام.
- اختيار العدسة المزروعة: يتم اختيار العدسة بعناية فائقة، مع الأخذ في الاعتبار حالة الشبكية. في بعض الحالات، قد يفضل الجراح عدسة أحادية البؤرة قياسية، بينما في حالات أخرى قد تكون العدسات التوريكية (Toric Lenses) خيارًا إذا كان هناك استجماتيزم مصاحب.
- التحكم في الالتهاب والارتشاح: بعد الجراحة، يتم وصف قطرات تحتوي على الكورتيزون ومضادات الالتهاب للتحكم في أي التهاب محتمل، بالإضافة إلى قطرات مضادة للميكروبات. قد يتم أيضًا وصف قطرات أو حقن إضافية إذا كان هناك ميل لارتشاح مركز الإبصار.
- المتابعة الدقيقة بعد الجراحة: تُعد المتابعة المنتظمة بعد العملية أمرًا حيويًا، خاصة لمرضى السكري. تشمل هذه المتابعة فحصًا للرؤية، وقياس ضغط العين، وفحص قاع العين للتأكد من عدم حدوث أي مضاعفات أو تفاقم لاعتلال الشبكية.
مستقبل الرؤية لمرضى السكري
إن التقدم في تقنيات جراحة المياه البيضاء وعلاج أمراض الشبكية قد أحدث ثورة في قدرتنا على مساعدة مرضى السكري. لم تعد المياه البيضاء عائقًا لا يمكن التغلب عليه، حتى مع وجود اعتلال الشبكية. التخطيط الدقيق، والتقييم الشامل، واختيار التوقيت المناسب، واستخدام التقنيات الجراحية الحديثة، كلها عوامل تساهم في تحقيق نتائج ممتازة.
في مركز المشرق للعيون، نفخر بتقديم رعاية متكاملة لمرضى السكري، حيث يعمل فريقنا المتخصص، بقيادة د. محمود حسان، على تقييم كل حالة على حدة ووضع خطة علاجية مخصصة تضمن أفضل النتائج الممكنة. إن فهم التحديات الفريدة التي يواجهها مرضى السكري هو ما يميز نهجنا في تقديم رعاية طبية عالية الجودة.
لمزيد من المعلومات حول أحدث تقنيات علاج أمراض العيون، يمكنكم متابعة قناة د. محمود حسان على يوتيوب عبر .